أحمد بن يحيى العمري
200
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وحكى عنه جماعة من أهل القرية : أن السباع كانت تنام طول الليل جواز زاويته ، وإذا خرج أحد من القرية في الليل إلى نهر عيسى ، لم تتعرض له . وإنّ فقيرا نام في الزاوية في ليلة باردة ، فاحتلم ، ونزل إلى النهر ليغتسل ، فجاء السّبع ، فنام على جبّته ، فكاد الفقير أن يموت من البرد والخوف ، فخرج الشيخ ، وجاء إلى السبع وضربه بكمّه وقال : يا مبارك ! قد قلنا لك لا تتعرّض لأضيافنا ! ، فقام السّبع يهرول ! . توفي يوم عاشوراء ، سنة أربع وتسعين وخمسمائة ، ودفن برباطه ب " الفارسية . " « 1 » ومنهم : 52 - أبو الحسن عليّ بن محمّد بن غليس « 13 » رجل كان ملاذا ، وملجأ في النوائب ومعاذا ، يصرخ صراخ السيوف ، ويطل إطلال الضراغنم تحت السجوف ، بسهام لا تردّ ، وسمام كأنه من أنياب الأساود يستمد ، إذا رمى رمية أنفذها ، وإذا أرشف بريقه عضة أكيلة وقذها ، فكان في انطلاقه لا يفادى ، وفي أهل صداقته لا يعادى ، يمدّ يدا له ما ردّت خائبة ، ولا مدّت إلا إلى إجابة غير غائبة . كان مقيما بكلّاسة دمشق . وحكى عنه العلامة أبو الحسن السخاوي قال : سمعت ابن غليس يقول : كنت مسافرا مع قافلة ، فرأيت في المنام كأنّ سبعا اعترضهم ، فقطع الطريق عليهم ، فوقفوا حائرين ، فتقدّمت إليه وقلت : يا كلب الله ! ، أنت كلب الله ، وأنا عبد الله ، فاخضع ، واخنع لمن سكن له ما في السماوات والأرض ، وهو السميع العليم . فذهب ، وانفتحت الطريق ، ثم انتبهت ، فسرنا قليلا ، وإذا بالقافلة قد وقفت ، فسألت : ما الخبر ؟ فقيل : السّبع على الطريق . فتقدّمت إليه ، وهو مقع على ذنبه ، فقلت ذلك الكلام ، وتقدّمت إليه ، فأدخلت يدي في فمه ، وقلبت أسنانه ! ، وشممت منه رائحة كريهة .
--> ( 1 ) قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء : " وكان من أبناء التسعين ، وكان يدري الفقه والفرائض ، وتذكر عنه كرامات وتألّه ، رحمه الله " . سير أعلام النبلاء 21 / 202 . ( 13 ) انظر ترجمته في : التكملة لوفيات النقلة 1 / 433 رقم 678 ، وذيل الروضتين 30 ، 31 ، والوافي بالوفيات 22 / 111 ، 112 رقم 64 و " غليس " بضم الغين وفتح اللام ، وسكون الياء ، آخر الحروف ، وبعدها سين مهملة .